عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
398
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
آخرين من المشايخ والقرّاء وغيرهم ، فلما أكلوا من الطعام كان معهم قوّال ، فشرع يغنى بدفّ في يديه وسيدي أحمد جالس عند نعال القوم ونعل الشيخ ابن القارئ معه ، فلما طاب القوم واستراحوا وتواجدوا ، وثب سيدي أحمد بن الرفاعي إلى القوّال وخسف الدفّ الذي كان معه ، فالتفت المشايخ إلى الشيخ علىّ بن القارئ ونافروه فيما صدر من سيدي أحمد ، وقالوا لي هذا صبي مالنا معه مطالبة ، والمطالبة عليك ، فقال لهم الشيخ ابن القارئ اسألوه فإن أتى بالجواب وإلا فعلىّ المطالبة ، فالتفتوا إليه وقالوا له لم كسرت الدف ؟ فقال لهم : أي سادة نرجع إلى أمانة القول يخبرنا بما يخطر بباله ، فأىّ شئ قال اتبعناه ، فسألوا القوّال عما خطر بباله فقال : إني كنت بارحة أمس عند أقوام يشربون ، فسكروا وتمايلوا كتمايل هؤلاء المشايخ ، فخطر لي أن هؤلاء كأولئك ، فلم يتم خاطري حتى قام هذا الصبى وخسف الدف فعند ذلك نهض المشايخ إلى سيدي أحمد وقبلوا يده واعتذروا له رضي اللّه عنه ونفعنا بهم آمين . قلت وإنما تمايلوا بشراب المحبة الذي أشار إليه الشيخ الكبير العارف أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه لما قيل له ما شراب الحبّ ، ومن الساقي ، وما الذوق ، وما الشوق ، وما الرىّ ، وما السكر . وما الصحو ؟ فقال الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب ، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب ، والساقي هو المتولى الخصوص الأكبر والصالحين من عباده ، وهو اللّه العالم بالمقادير ومصالح أحبابه ، فمن كشف له عن ذلك الجمال وحظى بشئ منه نفسا أو نفسين ثم أرخى عليه الحجاب ، فهو الذائق المشتاق ، ومن دام له ذلك ساعة أو ساعتين فهو الشارب حقا ، ومن توالى عليه الأمر ودام له الشراب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار اللّه تعالى المخزونة ، فهو الرّى ، وربما غاب عن المحسوس والمعقول فلا يدرى ما يقال له ولا ما يقول ، فذلك هو السكر ، وقد تدور عليهم الكؤوسات ، وتختلف لديهم الحالات . ويردّون إلى الذكر والطاعات ، ولا يحجبون عن الصفات مع تزاحم المقدورات ، فذلك وقت صحوهم أو اتساع نظرهم ومزيد علمهم ، فهم بنجوم العلم وقمر التوحيد يهتدون في ليلهم ، وبشموس المعارف يستضيئون في نهارهم ( أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، وقال بعض الشيوخ الكبار العارفين باللّه : المحبة أخذة من اللّه قلب